فاتح آكين.. معاناة الأتراك في الغربة (مطبخ الروح) أنموذجاً
تحمل السينما التركية في مجمل تجربتها الغنية لغة هادئة ومتماسكة ذات صبغة اجتماعية غالبة، ويتسم الإنتاج السينمائي التركي بكونه مزيجا بين الأصالة والمعاصرة، فهو يحاكي واقع أزمات الشرق بعيون غربية، وقد عكس المخرجون المتأخرون بإصرار هذا الواقع عبر عدد من الأفلام المتميزة بمستواها الفني، التي استقطبت الاهتمام، وأثارت ردود فعل متباينة بكونها سينما مختلفة تغور في الحياة وتتماهى مع ما فيها من أزمات وصراعات.
وكحال غيرها من سينمات دول العالم امتازت السينما التركية بفترتين زمنيتين الأولى منها غلبت عليها السطحية، باعتمادها على الحركة والأغاني والميلودراما التجارية، وانتشر هذا النوع في مجمل الإنتاج السينمائي التركي في السبعينيات والثمانينيات وبداية التسعينيات، إلى أن جاء الجيل المتأثر بالسينما الأوروبية والذي درس جلّه في ألمانيا وفرنسا واليونان وغيرها، ليضع بصماته الواضحة على طبيعة الفيلم التركي، وذلك بالنظر إلى الأسلوب المتميز في معالجة المواضيع الشائكة، والتي قلما وجدت طريقها إلى السينما، وهذا ما أرساه نهاية الثمانينيات يلماز جوني، وسينان سيتين، وعاطف يلماز.. ولحقهم نوري بيلجي جيالان، وفرزان اوزبيتك، وسميح كبلان اوغلو.. وغيرهم، وقد نالت أفلامهم استحسان النقاد فضلا عن جوائز مرموقة في العديد من المحافل العالمية.
وكان منهم المخرج الألماني الجنسية التركي الأصل (فاتح اكين) الذي استطاع عبر أفلامه الثمانية وعمره الذي لا يتجاوز الـ 38 سنة، أن يعكس شيئا من معاناة المهاجرين إلى ألمانيا وبالعكس، مركزا على أسباب ضياعهم وعدم اندماجهم في المجتمع، ولد اكين في 25 آب 1973 في مدينة هامبورغ لعائلة تركية قدمت من منطقة البحر الأسود، وبدأ اهتمامه بالسينما في سن مبكرة عندما كان نظام عرض الأفلام في المدارس منتشرا بشكل كبير في أوروبا. امتلك ذاكرة مليئة بالمشاهد واللغة البصرية, واستطاع في النهاية أن يشكل منها لغة بصرية خاصة به مزجت بين صفاء وخضار بلده الأصل, وعملاق الصناعة ألمانيا.
انتسب إلى كلية الفنون الجميلة في هامبورغ, ودرس السينما وفنونها، وفي عام 1995 قام بإخراج أول أفلامه القصيرة بعنوان (أهو أنت ؟) وحاز على جائزة أفضل فيلم قصير اختير من قبل الجمهور في مهرجان هامبورغ الدولي للأفلام القصيرة, ما شجعه أن ينجز فيلمه القصير التالي بعنوان (غيتور كيت) سنة 1996. أما أول أفلامه الطويلة فكان بعنوان (قصير ومن دون ألم) الذي يحكي قصة ثلاثة أصدقاء التركي غابريل والصربي بوبي واليوناني كوستا، الذين أثاروا الشغب بهامبورغ إلى أن زج غابريل في السجن بسبب حادثة قتل ثم يقرر بعد إطلاق سراحه أن يغيّر حياته بشكل جذري ليعيش بسلام من دون عنف وإجرام، جَلب الفيلم لمخرجه جائزة النمر البرونزي في مهرجان لوكارنو، وحاز على جائزة أفضل مخرج في مهرجان جائزة أدولف غريمل، وكما حصد جوائز عدة في مهرجانات أوروبية متفرقة، وعزز مكانة أكين كمخرج في أوروبا.
تخرج فاتح آكين عام 2000 من جامعة هامبورغ, وفي ذات العام قام بإخراج فيلم (في تموز) الذي يصور سفرة مرحة في صيف أوروبا الحار ورحلة مثيرة قام بها المدرس المخلص من هامبورغ إلى استانبول قاصدا لقاء التركية الجميلة (ملكة) التي كانت تحبه أيضا تبادله الحب وهنا يلمس المشاهد معالجة المخرج للحب كموضوع وقيمته الخاصة حين يقف الإنسان على حافة التغيير ويمتنع القدر عن الاستجابة لهذا التغيير ليحكم مصائر البشر رغما عنهم مهما أوتي الإنسان من القوة والإرادة والرغبة بالتغيير. وفي العام التالي 2001 أخرج فيلماً تسجيلياً بعنوان (WIR HABEN VERGESSEN) وحاز على جائزة أفضل فيلم سينمائي في مهرجان بفاريا من الأكاديمية الألمانية للسينما, وجائزة أفضل مخرج.
وفي فيلم (سولينو: 2002) يصور المخرج آكين سيرة عائلة إيطالية هاجرت إلى ألمانيا الاتحادية ذات المعجزة الاقتصادية حاملة معها البيتزا والباستا إذ جلبتها أول موجة للهجرة وهو فيلم عن الحنين إلى الوطن والنضوج والنجاح المهني فضلا عن القنوط الشخصي.
وبعدها قدم فيلم (مباشرة: 2004) الذي شكّل نقطة تحول بالنسبة له إذ بدأت أبواق النجومية تدق أبوابه من خلال فيلم لامس جرح الجالية التركية في ألمانيا ساردا أسباب ضياعهم وعدم اندماجهم بالمجتمع الألماني، ويروي قصة شابة تركية تتزوج برجل تركي من هامبورغ هربا من وصاية أهلها وتتطور مع الوقت علاقة حب بينهما إلى أن يُسجن الرجل بسبب جريمة قتل فتعود زوجته إلى تركيا وعند خروجه ينطلق للبحث عنها إلا أنها بهذه الأثناء تكون قد قررت أن تعيش حياة أخرى، أوصل هذا الفيلم اسم فاتح آكين إلى العالمية, فحاز على جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين الذي يُعد من أهم المهرجانات السينمائية في العالم بالإضافة إلى نيله أكثر من 23 جائزة متفرقة.
في عام 2005 اخرج فيلما وثائقيا عن المشهد الموسيقي التركي عنوانه (عبور الجسر: أصوات استانبول: 2005) الذي يَتضمّنُ ملخص حياة بعض الموسيقيين كـ سيزا، سيزين أكسو، أينور دوجان وبرينا ماكرممون.
في عام 2007 قدم فيلم (حافة السماءِ) وهو عبارة عن حكاية ثقافية مشتركة ألمانية تركية عنْ الخسارةِ والحِدادِ والمغفرةِ، وفاز بجائزةَ أفضل نصّ سينمائي في مهرجان كان السّينمائي، ومُنح جائزةِ أفضل فيلم في مهرجان السينما الأوروبية.
(مطبخ الروح).. قريباً من أحلام المهاجرين
يُعد فيلم (مطبخ الروح) واحدا من أميز ما قدمه، بالنظر إلى ما امتاز به من نضج في الكتابة والإخراج، فضلا عن محافظته على إيقاعه المتوسط السرعة الذي لا يدع فرصة لدخول الملل إلى المشاهد، فكل جزئياته مهمة في طريق سبر الأحداث.
يتحدث الفيلم عن أخوين يونانيين يملك أحدهما زينوس كازانزاكيس (آدم بوسدوكوس) مطعما شعبيا يعتبره مشروع حياته، أما الآخر الياس (موريس بليبتريو) فهو مجرم يقضي حياته متنقلا بين السجون الألمانية, زينوس يسعى جاهدا لجلب الزبائن إلى مطعمه وتفشل كل محاولاته، إلى أن يستقدم طباخا حاد الطباع لتقديم الأكلات المبتكرة، في هذه الأثناء يضطر زينوس للاستعانة بشقيقه لإدارة المطعم ليتسنى له اللّحاق بحبيبته نادين (فيلني روغان) إلى شنغهاي، فيفاجأ بها عند وصوله إلى المطار عائدة إلى ألمانيا لوفاة جدتها وهي بصحبة شاب صيني يكتشف فيما بعد أنه صديقها الجديد، وعندما يقرر نسيان كل شيء والعودة إلى مطعمه يكتشف أنّ ملكية المطعم قد انتقلت إلى رجل حاول مرارا شراء المطعم، وأن شقيقه خسر المطعم على طاولة القمار لصالح هذا الرجل الذي لا يمتلك المقدرة نفسها على الإدارة، ويفقد بعد فترة قصيرة كلّ الزبائن ليُفلس مطعم (مطبخ الروح) ويُباع في المزاد العلني، فينجح زينوس عبر هذا المزاد في استعادة مطعمه بمساعدة صديقته السابقة التي تُقرضُه بعض المال، أما هو فيجد نفسه من جديد عندما يقع في غرام معالجته الفيزيائية آنا (دوركا جريلوس) ليبدأ حياته الجديدة ويعود إلى مطعمه ويستقبل أول ضيوفه على ضوء الشموع.
الفيلم يعطي لمحات واقعية عن حياة المهاجرين، ويقدم أحداثه بطريقة بسيطة وشفافة، كما ويلاحظ أن المخرج (وهو كاتب القصة) قصد الطريقة الكوميدية لعرض الموضوع، كون أن هذا اللون هو السمة الغالبة على السينما التركية على الرغم من إنتاجه الألماني، ما يشكل نوعا من النقد الاجتماعي لمعاملة المهاجرين هناك. هكذا يقدم المخرج (فاتح آكن) فيلمه الرائع هذا، الذي يحمّله الكثير من الأبعاد الإنسانية والتفاصيل الحياتية الصغيرة، ربما ينقصها العمق الكافي بسبب أجواء الكوميديا والمفارقات الدرامية التي تحيط بالشخصيات الرئيسة، إلا انه نجح في الكشف عن حالات شخصياته الوجدانية وقوة بنائه الدرامي والتفصيلات المرئية والتقنية للتصوير والمونتاج والموسيقى.
وإذا كان معظم الممثلين نجحوا في إبراز الأداء الدرامي العالي وتجسيد روح النص، فان الممثل (آدم بوسدوكوس) تميز بشكل ملفت للانتباه في كشف مقدرته الكوميدية فضلا عن إمكانياته في الكتابة كونه تعاون مع المخرج في وضع نص الفيلم، بعدما اشتركا سوية في تقديم ثلاثة أفلام فيما سبق هي: (صدمة حادة بسيطة: 1998) و(مباشرة: 2004) و(مطبخ الروح: 2009).
بقي أن الفيلم عُرض في أكثر من محفل دولي ونال على إعجاب الكثيرين، فيما حصل على جائزتي لجنة التحكيم الخاصة سينما الشباب في مهرجان (فينيسيا).

التعليقات على الموضوع