السينما العراقية ..قبل وبعد سقوط الصنم
كثيرة هي الاسئلة التي تتبادر الى الذهن ونحن بصدد السينما العراقية بين زمنين،زمن البعث واصنامه السوداء والتغييرات الدراماتيكية ما بعد ذلك،وهل كان في العراق سينما قبل سقوط نظام البعث؟
وهل كان بمقدور السينمائيين العراقيين داخل العراق ان ينتجوا اعمالا سينمائية معبرة عنهم؟ واذا كان الجواب نعم فلماذا لم تنتج اي اعمال، طيب هل قدمت افلام بعد زوال النظام وهل كان العراق حاضرا برفقة سينماه (الجديدة) وكذلك مدى امكانية ان تطرح تلك السينما ذلك السؤال المحير والمقلق عن واقع العراق ومستقبله وماذا يريد سينمائيو العراق ان يقدموا عبر اشرطتهم التي يمكن ان تعتبر بداية جديدة ومغايرة تماما للسينما التي كانت زمن حكم البعث؟ والاهم هنا في قائمة الاسئلة :ماذا يريد المشاهد ان يرى من سينمائيي العراق؟
وقبل الشروع بالاجابة عن كل هذه الاسئلة لابد من الاعتراف بنقطتين مهمتين وقد اثرناهما قبلا وفي مقالات مشابهة وهما: الاولى:اننا كنقاد وصحفيين ومخرجين ومشاهدين شغوفين لرؤية سينما عراقية.
والثانية:ان جل ما قدم ويقدم من اعمال-نخبوي- يعد للعرض لمرة واحدة لا من اجل العيش والتاثير بالمشاهد لذلك دائما ما يكون تأثير الفيلم -العربي ككل-تاثيرا طفيفا استهلاكيا ينسى ما ان علمت نهايته.
والان لندخل الى صلب الحديث فالعراقيون انفسهم يعرفون كم الظلم والحيف الذي لحقهم ولحق مجتمعهم بكل طبقاته في ظل نظام فاشستي اعتاد الدمار والخراب لكل ما تقع عليه عيناه وكانت السينما الاولى في ذلك المجال بعدما طفق يمول افلاما تمجد بطولاته الكرتونية ومغامراته الطفولية،خرب فيها ذوق وذائقة الجماهير وكان السينمائي العراقي امام امرين اما الانصياع لنزوات القائد الضرورة المريضة او الهروب من المواجهة في ليلة ظلماء.
وعلى كل حال وبعد الازدهار النوعي للسينما العراقية في منتصف السبيعنيات جاءت بداية الثمانينيات لتشهد السينما العراقية انتكاسة حقيقية بعد ان تعلق السلطان بها وحاشيته فانتجت مجموعة من الافلام التي جند لها ثلة من رواد واساتذة الكذب والنفاق فجاءت بليدة لا تمثل السينما العراقية باي حال من الاحوال سوى انها محاولات ساذجة لاستمالة السلطة الحاكمة من اجل الحصول على كرسي في احدى دوائرها التي عشعشت عليها الرشوة والفساد الاداري والمالي.وقدمت السينما العراقية في الثمانينيات مجموعة ضخمة من الافلام سخرت لها عشرات بل المئات من الدولارات وحملت اسماء وعناوين معظمها يشكل اليوم ارثا ثقيلا ناءت بحمله السينما العراقية وما يؤسف لها حقا انها وقعت باسماء كبار السينمائيين العراقيين والعرب كفيلم الكرتوني الخارق (الايام الطويلة)لتوفيق صالح عام 1980،وتلاه فيلم (القادسية ) لصلاح ابو سيف 1981.
واذا ما نظرنا الى انتاج السينما العراقية في السبعينيات وقارناه بانتاج الثمانينيات فسنجد ان سني الثمانينيات شهدت تطورا ملحوظا في كمية الانتاج السينمائي التابع لمؤسسة السينما العراقية اذ بلغ عدد الافلام المنتجة 28 فيلما قياسا بسنوات السبعينيات الذي بلغ 16 فيلما بيد ان ما يلفت النظر في انتاج عقد الثمانينيات هو ظهور افلام ما يسمى بسينما قادسية ....المجيدة..وهذا النوع من الافلام رغم ما رصد له من ميزانيات هائلة لم يحقق اي نجاح يذكر لا على الصعيد المحلي ولا على الصعيد العربي والعالمي ونستطيع بنظرة بسيطة على مجمل الانتاج السينمائي العراقي في زمن الحرب العراقية - الايرانية، ان نكتشف مدى الضعف الفني الذي ابتليت به تلك الافلام ،فمثلا هناك الفيلم الحربي(المهمة مستمرة ) لمحمد شكري جميل ،الذي لايصمد نقدياً امام اي فيلم سابق لنفس المخرج،هذا فضلا عن الحكاية الساذجة التي لا تنطلي كذبتها حتى على الصغار،وهناك الفيلم الحربي الاخر (ساعات الخلاص ) لطارق عبد الكريم الذي يرصد سقوط طائرة يقودها طياران عراقيان في الاراضي الايرانية اثناء الحرب،فيضطران للهبوط بالمظلات في الاراضي الايرانية،ومن هناك يتخذان طريقا في محاولة للوصول الى الاراضي العراقية ،ورغم المعاناة يصلان سالمين الى ارض الوطن ،وهناك فيلم(الحدود الملتهبة ) لصاحب حداد ،وفيلم (المنفذون) لعبد الهادي الراوي ،وفيلم (صخب البحر ) لصبيح عبد الكريم ،وفيلم (شمسنا لن تغيب ) لعبد السلام الاعظمي وفيلم (الفارس و الجبل ) لمحمد شكري جميل،وفيلم (عرس عراقي ) لمحمد شكري جميل ايضاً..وغيرها وهي بمجملها افلام رغم ضخامة انتاجها ،الا انها تعاني ما تعاني من ضعف على مستوى الحكاية الفيلمية والاخراج.
وبعد كل ذلك كان لابد للسينما العراقية ان تقف،بعدما نحرت على يد الجلاد ،واستمر وقوفها طويلا الى ان حانت ساعات الخلاص وانطلق الفجر الجديدوعادت الحركة الدؤوبة الى عجلة السينما ،ونشط السينمائيون للتعبير عن افكارهم وهوسهم بمعشوقتهم وانتج من لاحت له الفرصة وانتظر ولازال ينتظر الاخرون،ورغم ما يعتري الانتاج الجديد من هنات الا اننا لابد من ان نعترف بأن هذه الافلام تشكل صورة ما،وحتى وان لم تكتمل ملامحها لكنها تحمل اجابة ما على بعض التساؤلات وتفرعاتها التي اثيرت في بداية المقال فجل ما انتج يبدو نتاجا لعودة سينمائيين عراقيين شباب الى العراق بعد ان كانوا خارجه لغير سبب،فمثلا للان لم نر افلاما لمخرجين كبار على غرار :قيس الزبيدي وقاسم حول مثلا ،وعبر تصفحنا لقائمة المخرجين الجدد الذين ظهر انتاجهم بعد احتلال العراق نكتشف ذلك ،ونسبة كبيرة منهم سينمائيون عراقيون عائدون من غربتهم ويحملون توجهات سياسية معينة ضد نظام الحكم السابق وربما هذا يجعلنا نفهم سر هذه الافلام وابتعاد مخرجيها عن التعامل مع التغيرات التي شهدتها الساحة العراقية ،او التعاطي مع وقائع التغيير فهذه الافلام هي خواطر عن ما يجول في مخيلة السينمائيين من ذكريات جميلة رسمت ابعاد شخصيتهم وملامحها ،ورغم الغربة و الزمن لم تطو تلك الصفحات بل مجدت بأفلام سينمائية.

التعليقات على الموضوع