البلد باعناق الجميع..

البلد باعناق الجميع..

البلد باعناق الجميع..


نعوّل ويعوّل الكثيرين على حكمةِ المتظاهرينَ السلميين من جهة، ومثابرةِ الانقياء الجديينَ من جهةٍ اخرى، في إخراج البلد من أزمته المستعرة، والتي بدأت تأكل الأخضر واليابس، بعد اختلال جميع المعادلات، وأخذت المصالح الشخصية تفتك بكل المساعي.. والمسؤوليةَ اليوم في عاتق الجميع، حكاماً ومواطنينَ في بلدٍ يمر بمفترقٍ تأريخي عظيم.

نعم، أردناها سلميّة، يعبّرُ فيها عن المطالب الحقّة، بالهتافات والشعارات والاعتصامات والوقفات الاحتجاجية، دون عودة للدماء والتخريب، إلا انها جرْجرت إلى نحو يؤسف عليه، وأودت بحياة أبرياء، وكأنه كُتب على العراق أن لا يغمض له جفن الا وصوائحه تتبعها نوائح.
كما وقد اعلنتها المرجعية الدينية ان التظاهر السلمي حق كفله الدستور، وأن لا مسوغ شرعي ولا قانوني في الاعتداء على القوات الأمنية، كما لا يسمح بالفوضى والتعدي على المؤسسات الحكومية والممتلكات الخاصة حرصا على عدم انزلاق البلاد الى الفوضى والفراغ.
مؤكدة أن الاصلاح الحقيقي والتغيير المنشود في ادارة البلاد ينبغي ان يتم بالطرق السلمية بالتكاتف ورص الصفوف وتوحيد الكلمة، وأن هناك العديد من الاصلاحات التي تتفق عليها كلمة العراقيين وطالما طالبوا بها، منها مكافحة الفساد وإتّباع آليات واضحة وصارمة لملاحقة الفاسدين واسترجاع أموال الشعب منهم، ورعاية العدالة الاجتماعية في توزيع ثروات البلد بإلغاء أو تعديل بعض القوانين التي تمنح امتيازات كبيرة لكبار المسؤولين واعضاء مجلس النواب ولفئات معينة على حساب سائر أبناء الشعب، واعتماد ضوابط عادلة في التوظيف الحكومي بعيداً عن المحاصصة والمحسوبيات، واتخاذ اجراءات مشددة لحصر السلاح بيد الدولة، والوقوف بحزم امام التدخلات الخارجية في شؤون البلد، وسنّ قانون منصف للانتخابات يعيد ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية ويرغّبهم في المشاركة فيها.
ولم تفغل المرجعية الإشارة إلى أن تقرير لجنة الاعتداء على المتظاهرين لم يحقق الهدف المترقّب منه ولم يكشف عن جميع الحقائق والوقائع بصورة واضحة للرأي العام، داعية إلى أن تتشكل هيئة قضائية مستقلة لمتابعة هذا الموضوع وإعلام الجمهور بنتائج تحقيقها بكل مهنية وشفافية.
ولعلّها من المراتِ النادرةِ التي يستطيعُ فيها الشعبُ العراقي أن يؤثرَ بسياسييهِ، فيقف معهم على مفترق طريق صنع مصير الوطن، بعدما انفرد لسنوات طوال في ذلك، وخذلته السلطة وسلاطينها. فعاد الصوتُ الذي كانَ صداهُ مدوياً للميادين صادحا قويا مطالبا بحقوقه المسلوبة.
فما انتظرناه من رئيس الوزراء لم يكن مع عظم الحدث، بل نكأ الجراح بالتذكير بمآسي الأمس القريب، وزاد من بلة طين الأوضاع المزرية، فجاء باردا باهتا بلا لون ولا رائحة، مستكملا حديث الوعود الكثيرة، فكان سببا وجيها لاندفاعة جديدة تتحمل السلطة عواقبها..
وبينَ كل ما جرى على مدى ٢٤ ساعة طويلة، زهقت فيها العديد من الأرواح تظل المسؤوليةٌ ملقاةٌ على عاتقِ الحكومةِ مجتمعة، وعلى الشباب الواعي أن يعي لما يجري، بعدم السماح لتصفية الحسابات وجر التظاهرات لما يجمد عقباه، وإشاعة الموت والدمار في بلد يئن منذ سنوات من ذلك..
ومع أن استمرار "صرخةُ الثورة" ضرورة وحتمية، الا أن الثورات ليست فقط صراخ، بل هي برامج واعية وأدارة مدروسة، لا مساعي للخراب والدمار.. فالبلد باعناق الجميع..

ليست هناك تعليقات