(جاذبية).. رؤية فلسفية عن الكون والعالم الذي نعيشه
استمدت السينما من التطور العلمي والتقدم التكنولوجي العديد من العناصر التعبيرية وبدورها وهبت للعلماء والمهتمين الافكار الخيالية تلو الافكار التي تجلت فيما بعد حقيقة محضة، فلو دققنا النظر في فيلم (الازمنة الحديثة:1936) اخراج: تشارلي تشابلن لوجدنا انه يستخدم في يده هاتف جوال عندما كان الهاتف الجوال مجرد فكرة آنذاك وها هو اليوم واقع ملموس.
وهذا ينطبق على جل الافلام الطليعية التي راهنت على بعض الافكار التكنولوجية واصبحت فيما حقيقة، مثل هذا التقدم كان دائما ما يحفز السينمائيين لاجتراح الجديد كيما تكون العملية تبادلية وايجابية، فقطعت السينما بما قدمته لها التكنولوجيا اشواطا بعيدة.. وما ظهور فيلم (جاذبية) بحلته هذه الا دليل واضح على ذلك الاغراق التكنولوجي الذي نعيشه، فبعد قرابة 5 اعوام من التفكير والكتابة يقدم المخرج المكسيكي (الفونسو كوارون) رائعته الغرائبية التي تعد فتحا سينمائيا بلا شك.
منذ البداية نشاهد الطبيبة (ريان ستون: ساندرا بولك) في رحلتها الاولى الى عالم الفضاء، ورائد الفضاء المخضرم (مات كوالسكي: جورج كلوني) وهما يجريان بعض الاصلاحات في التيلسكوب هابل ويثرثران ببرودة اعصاب عن رحلتهما هذه وعملهما سوية وندرك جميعا ان هناك خطبا ما سيحصل.. وبالفعل يأتيهما النداء بعد برهة ان القمر الروسي اطلق صاروخا احدث انفجارا كونيا ما ادى الى سحب من المخلفات المتطايرة بسرعة 20 الف ميل بالساعة، ولكن لا تقلقوا فالأمر مسيطر عليه ويكمل الاثنان عملهما بذات برودة الاعصاب السابقة لكننا لا زلنا نشعر ان هناك خطبا ما سيحصل وبسرعة يصل النداء ان المخلفات باتجاهها اليكم اتركوا العمل وتوجهوا الى متن سفينة الفضاء، الا ان ستون تتأخر قليلا فتحدث الكارثة حيث تصاب السفينة بالأجزاء المتطايرة ويقتل جميع كادرها ويظل كوالسكي وستون على قيد الحياة لنخوض معهما صراع البقاء في هذا الكون السحيق حيث تصارع ستون وهي لا تملك الا 6% من الاوكسجين وبمساعدة كوالسكي للالتحاق بالمكوك الفضائي الصيني () ولكنهما يأخذاننا في جولة فضائية مصنوعة بإتقان يترافق فيها سوء الطالع مع دقة وجمالية الصناعة السينمائية الى ان تتمكن ستون من الوصول الى سطح الارض.
الفيلم اخرجه (الفونسو كوارون) مقدم سابقا (سولو: 1991) و(الاميرات الصغيرات: 1995) و(الآمال العظيمة: 1998) و(:2001) و(هاري بوتر 3: 2004) و(اطفال الرجال: 2006)، وشاركه في كتابته ابنه (جوناس كوارون) الذي سبق وان كتب واخرج (سنة النيل: 2007) وشاركهما ايضا في الكتابة بطل الفيلم (جورج كلوني)، و(جاذبية) في النهاية رؤية فلسفية تعتمد التكوينات البصرية المبهرة والاحساس العالي بكل كادر وما في داخله وعلاقته بالكوادر الاخرى، فهو فيلم تشكيلي بحت مادته الاساس الفضاء، وعلى الرغم من تصنيف الفيلم من افلام الخيال العلمي الا انه يحمل مجموعة كبيرة من المفاهيم الفلسفية التي تتحدث عن ضياع الانسان في بيئته وبحثه الدائم عن شاطئ الامان والخلاص، وقد اصر المخرج وفريق الكتابة على الاعتماد كثيرا على الصورة ما فوت فرصة ان يكون النص اقوى لا تعتريه هذه الهفوات البسيطة او لنقل ان اهتمام الثلاثة بالتشكيل البصري جعلهم يغضون الطرف عن ضعف السيناريو وركاكته، وهذا اتجاه اخذ يسود في هوليوود بفضل نجاح تجارب المخرج (تيرنس ماليك) خصوصا (شجرة الحياة:2010).
واوجه التشابه واضحة ما بين العملين شكليا مع الفارق الواضح ما بين واقعية فيلم ماليك وانطباعية فيلم كوارون، الا ان الاثنين راهنا على فلسفة الصورة ومدياتها فما تضج به الكوادر من تأملات وتأويلات ابلغ كثيرا مما تقوله الشخصيات، كذلك فان الفيلمين اعتمادا على اللقطات الطويلة التي تغوص في كوامن الحدث وتهب اجواء روحية لما يعرض وتعاملا باحترافية عالية في استخدام هذه اللقطات.
وتجدر الاشارة الى ان (ساندرا بولك) تضطلع بشكل رئيسي بأعباء التمثيل مع ظهور مساعد للنجم (جورج كلوني)، وفيه تقدم بولك افضل ما قدمته في السينما بالنظر اولا لصعوبة اداء هكذا ادوار تؤدى في ستوديوهات افتراضية بعيدا عن التمثيل في المكان الاصلي للحدث، كذلك فان ما متعارف عليه في عالم التمثيل من وجود استلام وتسليم من ممثل لأخر من اجل زيادة التوتر والفعل الدرامي الا انها في هذا الفيلم فأنها تظل منفردة امام كل تلك الاهوال والاخطار، وايضا بالنظر للكثير لما يتطلبه الدور من اسقاطات فلسفية يريد المخرج توفرها في بعض المشاهد وقد يعجز الممثل في ظل تلك الظروف من تحقيق ما يريده المخرج بكل حذافيره، وقد نجحت بولك في عكس ما يعتري الشخصية الرئيسة من اهوال في عرض الفضاء.
وقد تظافرت عناصر اللغة السينمائية العديدة من تصوير واضاءة ومونتاج وموسيقى في تقديم لن يمحى بسهولة من الذاكرة السينمائية بل سيظل راسخا طويلا حاله كحال رائعة كوبريك (2001: رحلة الفضاء) ورائعة تاركوفسكي () وغيرها من الافلام الفضائية التي استثمرت الفضاء بيئة لتقديم فلسفتها عن الواقع المعاش وما يكتنف الانسان وعالمه من ابعاد مجهولة ظلت وستظل عصية عن الفكر الانساني المحدود تصورها وفهم ماهيتها الا انه –الانسان- يحاول دائما الاقتراب منها لإدراك عظمة الخالق سبحانه ولعله يوفق في اكتشاف المزيد.
(جاذبية) ليس فيلما سينمائيا فحسب بل انه بحث فلسفي ونفسي وعلمي في فضاء سحيق نجح في تقديم رؤيته عن الكون وعالمنا الذي نعيشه.

التعليقات على الموضوع