(النسر) الشكل على حساب المضامين
تسعى السينما بين الفينة والاخرى، للإلمام بحقبات التاريخ المتناثر الاشلاء بين طيات الكتب وحكايات الاباء والاجداد، لتعيد رسم صورة ما عن اساطير واحداث وامم كانت تعتمر الارض ذات يوم وخلفت لنا الحضارة والسمو تارة والحروب والموت تارات اخرى، وبذلك تصبح السينما بديلا صوريا عن ذلك التاريخ السردي العظيم بقصصه وحكاياته وامجاده ومخازيه، وهو عبء اخر يتحمله الفيلم ليري الناس تصورات وانطباعات صانعيه عن تلك القصص والحكايات.
لكن ما يعاب في هذا الاطار ان تحّمل الحقائق ما لا تحتمل، وان يساق الحدث نحو مارب ونوايا دفينة، تتجه مع من يملك القدرة لإنتاج حكاياته مضفيا عليها مزيدا من البطولة والايثار، وعلى الاخر ان يتحمل تلك العداوة والكراهية المنبعثة نتيجة تصارع الارادات والنزوع نحو وصم الاخرين بسمات لا تمت للحقيقة بصلة.
لاشك ان السينما الامريكية تتفوق اكثر من غيرها في تجسيد تلك الحكايات، بما تمتلكه من ادوات تقنية وحرفية ومهارة في صياغة وخلق الاحداث الدرامية والشخصيات البطولية الاقرب الى ما عهدناه من مواريث حضارية سحيقة، وهي لا تفتا في اتحافنا بين فترة واخرى، بأحد الافلام المشغولة بعناية واتقان تعكس فيها تجذر الابداع لدى اجيالها ولاحقيهم من صناع السينما، وهي الاقدر والامكن على اشغال هذا الفراغ السينمائي الصعب بالنظر الى ما يحتاجه من امكانات مالية وبشرية هائلة.
في المقابل قد لا نتفق مع تأتي به هذه المعالجات التاريخية لبعض الاحداث والتي تعتبر في عداد المسلمات اليقينية، بل نعتقد ان هناك كثير من التجني على حقائق ودقائق التاريخ، وبذلك لا يمكن ان نركن الى الدراما المقدمة الا من ناحية انها دراما ولا تمثل شاهدا على عصور خلت، وهذا ما يجنح اليه الفيلم الامريكي- البريطاني المشترك (النسر The Eagle: 2011) في اضفاء مسحة من التسامح الاسطوري لدى ابطاله من المحاربين الرومان الدمويين، وحرصهم في المقابل على استعادة (النسر) رمز شرفهم الذي فقد في احد المعارك قبل 20 عاما بعد ان اختفى الفيلق التاسع بكامله -المتوجه لتحرير بريطانيا- في جبال اسكوتلندا.
اننا في العام 140 قبل الميلاد، يرسل القائد الروماني الشاب (ماركوس اكيلا) الى معسكر بالقرب من بريطانيا بعد 20 عاما من اختفاء الفيلق التاسع والذي يقوده والده، واول ما يقوم به (ماركوس) صد هجوم على معسكره من قبل بعض محاربي البراري، الا انه يصاب بجروح بليغة ويحال على اثرها على التسريح المشرف. الا ان ذكريات بطولات والده لا تزال عالقة في ذهنه، ومن اجل ذلك يقرر الذهاب في رحلة لاستكناه لغز غياب الفيلق برمته و(النسر)، ويأخذ معه عبده البريطاني (اسكا).
يتوجه الاثنان نحو الشمال ويعبران (حائطِ أدريان) نحو المرتفعاتِ المجهولةِ لكاليدونيا وفي طريقهم يلتقون بأحد رجال الفيلق المفقود الذي اضطر للهرب من فتك قبائل تدعى (الفقمات)، ويبلغه ان (اسكا) يعرف مكانهم كون قبيلته (البرغنتيين) كانت تحارب الى جانبهم، وينشب قتال بين (ماركوس) و(اسكا) بعدما يعتقد انه مخدوع به، واثناء ذلك يلقي رجال (الفقمات) القبض على الاثنين ويبلغهم (اسكا) ان (ماركوس) عبده، ولكونه روماني ينال اشد انواع التعذيب والتنكيل، واثناء احتفال رجال القبيلة ليلا يرى (ماركوس) النسر الذهبي محمولا بيد احد رجالهم، ويقوم (اسكا) بمساعدة (ماركوس) في سرقته والعودة به الى روما.
في طريق العودة يعاني (ماركوس) من جراحه القديمة فيستعين (اسكا) بذات الرجل الذي هرب في السابق ومن معه من ارض المعركة، ويلاقون رجال (الفقمات) في محاولة لاستعادة امجاد روما.
اخرج الفيلم المخرج البريطاني (كيفن ماكدونالد 43 سنة) مقدم سابقا (حالة اللعبة: 2009) و(عدو عدوي: 2007) و(اخر ملوك اسكوتلندا: 2006) و(لمس الفراغ: 2003) والذي اصبح يتمتع بالتخصص في الافلام التاريخية، ونلمس في فيلم (النسر) نضوجا كبيرا لديه، من حيث ادارة ممثليه والامساك بسيل الاحداث وتتابعية المشاهد، الا ان هناك ترهلا كبيرا لدرجة ان المخرج يقع في حيرة من امره في طريقة معالجته، فعندما تطارد القبائل المتوحشة (ماركوس) تظل العملية رتيبة وليس فيها أي اثارة مطلقا، فضلا عن فارق التوقيت بينهما، اذ يستخدم (ماركوس) و(اسكا) جوادين في الهرب، بينما رجال القبيلة ليس لديهم الا ارجلهم، وحتى يشغل هذا الفراغ الزمني يحتال المخرج على مشاهديه في طريقة اختزال زمن اللقطات والمشاهد حتى يوصل الاثنين الى مكان المعركة التاريخية القديمة، وهذا عيب ملحوظ في السيناريو، لا يتم تجاوزه الا بفضل اللمحات الكثيرة التي افلح المخرج في استخدامها كالمؤثرات الصورية والصوتية واختيار زوايا التصوير وحركات الكاميرا وغيرها، فقد بدا الفيلم في حلته النهائية ممتعا بصريا فقط، دون أي مزايا اخرى، والفضل يعود في الاخير الى مخرجه.
ادى الادوار الرئيسة في الفيلم (تشايننغ تاتوم) بدور (ماركوس) والذي ظهر في افلام (عدو الشعب: 2009) و(العزيز جون: 2010) وغيرها، والى جانبه (جيمي بيل) بدور (اسكا) الذي ادى دور البطولة في فيلم المخرج (ستيفن دالدري) (بيلي اليوت: 2000)، وفيلم (حرس الموت: 2002) و(العزيز ويندي: 2005) و(رايات آبائِنا: 2006).. وغيرها، وبمشاركة النجم الكبير (دونالد سوذرلاند)، فضلا عن ظهور ثاني للنجم الجزائري الاصل (طاهر رحيم) الذي برز في فيلم (نبي: 2009).
الفيلم بغض النظر عن مضامينه مشغول بعناية، وممتع شكليا، لكن لا يمكن مضاهاته بإبداعات ريدلي سكوت او انتوني فوكوا او ادوارد زويك التاريخية.

التعليقات على الموضوع