الإعلام الإسلامي من وجهة نظر قرآنية
باتت قضيّة الإعلام بوسائله المتعددة والمختلفة، من أشد القضايا إثارة
في العالم المعاصر، نظرا للتأثيرات الكامنة التي يتركها على المجتمع، ولقدرته
الفائقة على التعالق بالحقول الثقافية الأخرى، فأصبح بوتقة تنصهر وتمتزج فيها كل
أشكال التعبير الإنساني نتيجة الطفرات التكنولوجية الهائلة التي أثْرت وسائله
وجعلته عنصرا حاملا لكل المظاهر المعرفية والدلالية.
ولان الإعلام يشكل أحدى أهم ركائز الثورة التكنولوجية الحديثة في
العالم اليوم، وذلك بالنظر إلى انه أحدث إنقلاباً شبه جذرياً في كل مجالات الحياة
المعاصرة وسلوكيات الفرد في المجتمع، حتى أن البعض يعزو إليه جُل التغييرات في
الأعراف والتقاليد والقواعد والقيم الاجتماعية، هذا فضلاً عن إنه حوّل العالم
المترامي الأطراف إلى قرية صغيرة.
ولأن الإعلام يمثل دور الوسيط في كل عملية سياسية ويساهم في صياغة
وتشكيل حقائقها خصوصاً في المجتمعات الديمقراطية حيث يكون أفرادها أكثر قرباً من
وسائل الإعلام ومعتمدين فيها على التعبير عن القضايا التي تشغل مجتمعهم، ولهذا تعد
وسائل الإعلام مرآة عاكسة لأهم القضايا التي تثير الساسة وصناع القرار في
المجتمعات المتحضرة والتي دخلتها الديمقراطية مبكراً، فتكون بذلك قادرة على إعادة
تشكيل الوعي الجماهيري وأولويات الفرد داخل منظومته الاجتماعية.
لكن ما يؤسف له حقا، إن إعلامنا الإسلامي المعاصر لم يحظ بالاهتمام
ذاته الذي حظيت به الدراسات الأدبية والفكرية الأخرى شفوية كانت أم مكتوبة، ولم
يُخص بأي تأسيس يعتد به من قبل كبار الباحثين والأكاديميين- إلا ما ندر- بل تم
إقصاؤه وتهميشه بشكل عام، كما وان ما تم انجازه من دراسات وبحوث أكاديمية – على
قلتها- لم يرقَ بعدُ إلى واقع الإعلام الإسلامي في تعدديته وتشابك علاقاته وبعد
رؤاه وقدراته الواسعة على امتصاص كافة الفعاليات التعبيرية الأخرى وتوظيفها بصيغ
جديدة أكثر تماشيا مع الواقع المعاش.
هذا التهميش ناتج عن استعلاء علمي يسود بين أوساط الباحثين الإسلاميين
للإعلام معتقدين إن لغته لا تتميز بالعمق العلمي والفكري، وهو ناجم – بالتأكيد -
عن قصور بـ (أسلوب الدعوة أو عدم مبالاتهم بدعوة الناس إلى مثل أعلى، والواقع إن
الإسلام ليس مدرسة لعلم الكلام والفلسفة والجدل العقلي بقدر ما هو مدرسة لتربية
الروح والنفس والقلب)[1],
وهذا ما أفضى إلى ندرة الدراسات الإعلامية من منظور إسلامي وبالتالي كانت علة ضعف
المؤسسات الإعلامية تعود إلى قناعة باتت راسخة عند الكثيرين من إن الإعلام
الإسلامي عاجز عن تقديم مادة مفيدة للناس، على الرغم من كل ما يبذل من موارد مالية
وبشرية.
وبالنظر إلى مجمل التطورات السريعة والهائلة في الوسائل التكنولوجية وبالأخص
الإعلامية والتي أفضت إلى تأثر كبير بالسياسات الإعلامية الغير مرتبطة بالإسلام،
فظهرت بالتالي وسائل إعلام في المجتمع الإسلامي لا تمت بأي صلة للإسلام على الرغم
من أن القائمون عليها مسلمون.
الإعلام المصطلح والمفهوم
الإعلام لغة:
يشير المعنى اللغوي لكلمة (الإعلام) إلى (نقل المعلومات إلى الآخرين
عن طريق الكلمة أو غيرها وبسرعة)[2]،
وهذا المدلول قريب مما أشار إليه الراغب الأصفهاني في كتابه (معجم مفردات القران
الكريم) حيث يقول (أعلمته وعلّمته في الأصل واحد إلا إن الإعلام يختص بما كان
بإخبار سريع، والتعليم بما يكون بتكرير وتكثير حتى يحصل منه اثر في نفس المتعلم)[3].
الإعلام اصطلاحا:
أما كاصطلاح فقد تعددت تعاريف الإعلام وتنوعت واختلفت في شكلها العام
والمضمون بالنظر إلى المفهوم المعاصر، لكننا نقتصر الحديث على التعريف الأوضح بنظر
الكثير من الكتاب المعاصرين وهو للعالم الألماني (توغروت) إذ يعرفه (بأنه التعبير
الموضوعي لعقلية الجماهير وروحها وميولها واتجاهاتها في نفس الوقت)[4].
وبالنظر إلى ما تحويه مصادر التشريع الإسلامي من صدق ووضوح نجد إن
(الإعلام الإسلامي) بشكله الخاص يتضمن الكثير من المبادئ الآنفة الذكر، حتى انه
عُرّف بـ (تزويد الجماهير بحقائق الدين الإسلامي المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله
(ص) بصورة مباشرة أو غير مباشرة من خلال وسيلة إعلامية عامة أو بواسطة قائم
بالاتصال لديه خلفية واسعة ومتعمقة في موضوع الرسالة التي يتناولها، وذلك بغية
تكوين رأي عام صائب يعي الحقائق الدينية ويترجمها إلى واقع في سلوكه ومعاملاته)[5].
فالإعلام الإسلامي عام في محتواه ورسائله، إلا انه يلتزم في كل ما يقدمه للناس
بالتصور الإسلامي عن الإنسان والحياة والكون والمستمد أساسا من القران الكريم
والسنة النبوية الشريفة وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام).
الإعلام الإسلامي المصطلح والمفهوم
شاع استخدام مصطلح (الإعلام
الإسلامي) بشيوع القنوات الفضائية وازديادها المضطرد، وتَخصُص البعض منها بنشر
تعاليم الإسلام والتبشير بها، فأحيل المصطلح ليميز هذه التوجهات عن غيرها، على
الرغم من إن البعض يعيد أصله - المصطلح- إلى بدايات الدعوة الإسلامية من الناحية
النظرية، إلا إن أسسه وضوابطه لم تأخذ حيزها الفعلي كما هي عليه اليوم، إلا في أواخر
القرن الماضي.
ويشير المعنى اللغوي لكلمة
(الإعلام) إلى (نقل المعلومات إلى الآخرين عن طريق الكلمة أو غيرها وبسرعة)[6]،
وهذا المدلول قريب مما أشار إليه الراغب الأصفهاني في كتابه (معجم مفردات القران
الكريم) حيث يقول (أعلمته وعلّمته في الأصل واحد إلا إن الإعلام يختص بما كان بإخبار
سريع، والتعليم بما يكون بتكرير وتكثير حتى يحصل منه اثر في نفس المتعلم)[7].
أما كاصطلاح فقد تعددت
تعاريف الإعلام وتنوعت واختلفت في شكلها العام والمضمون بالنظر إلى المفهوم
المعاصر، لكننا نقتصر الحديث على التعريف الأوضح بنظر الكثير من الكتاب المعاصرين
وهو للعالم الألماني (توغروت) إذ يعرفه (بأنه التعبير الموضوعي لعقلية الجماهير
وروحها وميولها واتجاهاتها في نفس الوقت)[8].
وبالنظر إلى ما تحويه مصادر التشريع الإسلامي من صدق ووضوح نجد إن (الإعلام الإسلامي)
بشكله الخاص يتضمن الكثير من المبادئ الآنفة الذكر، حتى انه عُرّف بـ (تزويد
الجماهير بحقائق الدين الإسلامي المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله (ص) بصورة
مباشرة أو غير مباشرة من خلال وسيلة إعلامية عامة أو بواسطة قائم بالاتصال لديه
خلفية واسعة ومتعمقة في موضوع الرسالة التي يتناولها، وذلك بغية تكوين رأي عام
صائب يعي الحقائق الدينية ويترجمها إلى واقع في سلوكه ومعاملاته)[9]. فالإعلام
الإسلامي عام في محتواه ورسائله، إلا انه يلتزم في كل ما يقدمه للناس بالتصور الإسلامي
عن الإنسان والحياة والكون والمستمد أساسا من القران الكريم والسنة النبوية
الشريفة وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام).
أهمية الإعلام الإسلامي
يعد الإعلام ضرورة قصوى في
كل دعوة أو رسالة، قال تعالى: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ
شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً* وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ
وَسِرَاجاً مُّنِيراً) [الأحزاب :45- 46]، لاسيما في ظاهرة الاتصال بين الأفراد
والشعوب، إذ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ
وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ
عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات : 13]، ولهذه الأهمية
والضرورة كانت أهم وظائف الأنبياء والمرسلين - الإنباء- أو الإعلام بالمنظور
المعاصر فيقول سبحانه وتعالى: (قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ..)
[البقرة : 33]، وقال أيضا: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ) [الشعراء :
69].. وغيرها.
ومن هذه النصوص القرآنية
برزت أهمية الإعلام كون الدعوة إلى الإسلام ما هي إلا عمل إعلامي يخاطب العقل
ويستند إلى المنطق والبرهان ويعمل على كشف الحقيقة.
عناصر الإعلام في الإعلام الإسلامي
اجمع علماء الإعلام
المعاصر على أن للإعلام أسس خمسة مرتبطة بعضها ببعض، وهي:
المرسل.
الرسالة.
الوسيلة.
المستقبل.
الاستجابة أو ردة الفعل.
وهو بطبيعته رسالة إعلامية
وفقا لهذه الأسس، فهناك المرسل وهو الله تبارك وتعالى كما ورد ذلك في قوله تعالى:
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً [الفرقان : 56]، وهناك الرسالة
الإعلامية وهي تعاليم الإسلام كما اقرها الباري عز وجل وضمنها القران الكريم فقال:
(...مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ..) [الأنعام : 38]، فالقران الكريم
يتناول جميع مظاهر الحياة وكل ما يحتاجه الإنسان في العقيدة والشريعة والمنهج الذي
يتبع في الحياة، ومن تحديد واضح لأهداف الرسالة الإسلامية إذ يقول تبارك وتعالى:
(الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى
النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) [إبراهيم : 1]،
وضرب فيه الأمثال للعبرة والعظة كما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ
فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [الزمر : 27].
أما العنصر الثالث فيتصل
بالوسائل الإعلامية التي تنتقل عبرها هذه الرسالة، فكانت وسائل الرسول (ص) كلها
عملا وقولا وخطابة وإرسال مبعوثين ودعاة إلى جهات مختلفة ورسائله المكتوبة إلى
الملوك والحكام ما هي إلا وسائل إعلامية، ثم إن الله تبارك وتعالى خصه (ص) بصفات
ومؤهلات معينة تؤهله لتحمل رسالة السماء، وكما وضحها في القران الكريم بقوله: (يا
أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً*
وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً) [الأحزاب :45- 46]،
ومن ثم تم تحديد مهمة الرسول (ص) بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ
مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ..) [المائدة : 67] وبأسلوب ومنهج أوضحته الآية
الكريمة (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...[النحل: 125].
أما العنصر الرابع فهو
المستقبل وهم جميع البشر ابتداء بالفرد ومرورا بالأسرة والجماعة وسائر الشعوب على
اختلاف ألوانهم وأصنافهم. وهنا تتم الاستجابة وهي العنصر الخامس والتي نعني بها
قبول المستقبل فكرة الرسالة باعتبارها وجيهة وحقة كما أوصى الله تعالى المؤمنين
بالاستجابة بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ
وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ
يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال :
24].
مبادئ الإعلام الإسلامي
المتتبع للإعلام الإسلامي
يلحظ وبصورة واضحة انه يعتمد مجموعة من المبادئ التي تتعاضد فيما بينها لعرض
الحقائق المدعمة بالبراهين والأدلة، وهذا هو منهج القران في إقناع الناس، قال
تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ
وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً [النساء : 174]. وهذه المبادئ يمكن
حصرها بما يلي:
الحقائق المجردة
وهذا ما نجده واضحا وجليا في أكثر من سورة في القران الكريم وأحاديث
الرسول الكريم وأهل بيته (ع)، فغالبا ما دعمت (دعوة الأنبياء والرسل لأقوامهم
بالحجج والبراهين العقلية والمنطقية المقنعة كما في حوار إبراهيم (ع) مع قومه،
وموسى مع أمته، وفرعون وقومه وغيرهما من الأنبياء والمرسلين، وهي أمور ظاهرة في
القران الكريم) ويمكن الرجوع إليها[10].
الموضوعية
وهي الصفة الغالبة على الدعوة الإسلامية بشكل عام بعيدا عن العواطف والأهواء
قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ
شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ ..)[آل
عمران : 64].
الصدق
وهو قوام العملية الإعلامية في المجتمع الإسلامي، قال تعالى: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ
[التوبة : 119]، وعلى ذلك فان الحقيقة المبنية على العلم الموصل إلى اليقين، وعلى
الصدق الموصل إلى الثقة والاطمئنان، هو سبيل الحق (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ
حَدِيثاً [النساء : 87]، و(وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً [النساء : 122].
والصدق في الإعلام يستلزم أمرين هما:
صدق الخبر: وهو ما يعني الالتزام بنقل الحقيقة المجردة بغير زيادة ولا
نقصان، (فالخبر ينبغي أن يكون مرآة عاكسة للواقع المجرد)[11]،
وبذلك أمرنا الله تعالى حيث قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ
فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا
عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات : 6].
صدق الصياغة: نجد في الإعلام إن الخبر الواحد قد صيغ صياغات متعددة
تتسم في غالبها بإيحاءات تختلف باختلاف مصادرها وموقفها من الحدث. أما في الإعلام الإسلامي
فينبغي توخي الأمانة في صياغة الخبر، بعيدا عن التهويل والإثارة.
أساليب الإعلام الإسلامي
اعتمد القران الكريم في طرح مضامينه أساليب
متعددة ومتنوعة، مشوقة وجذابة، مقنعة ومؤثرة، تتصف بالمعاصرة والصلاحية لكل زمان
ومكان، والتي بإمكان الإعلام الإسلامي الاستفادة منها في الوصول إلى هدفه في إيصال
الرسالة وتحقق الاستجابة، وتحويلها إلى واقع يتعايش معه الناس من خلال التلقي والأخذ،
وقد أورد بعضها الكاتب (عبد الله الوشلي) في كتابه "الإعلام الإسلامي في
مواجهة الإعلام المعاصر"[12]
وأشار إلى أن هذه الأساليب التي يذكرها هي على سبيل المثال لا
الحصر، وأنها مستمدة من واقع القرآن الكريم، وسنورد هنا ما سطره الوشلي بالإضافة إلى
ما توصلنا إليه خلال بحثنا، وهي كالآتي:
البيان المعجز:
لقد جاء القرآن الكريم كتابا عربيا مبينا يتحدث إلى الناس بلغة العرب،
ولكنه جاء بأسلوب معجز تحدى به المعاندين والمتكبرين أن يأتوا بمثله في نصاعة
التعبير وقوة البيان ولا يزال هذا التحدي المعجز قائما حتى اليوم، وسيبقى قائما
إلى يوم يبعثون، قال تعالى: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ
وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ
بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) [الإسراء : 88].
التنوع في
الأداء القرآني: القرآن في حقيقته تركيب عجيب في بناء آياته وفي الموضوعات
والقضايا التي يتناولها، من خلال وعظه وتعاليمه ومحاوراته التي يرد بها على المعترضين أو
يعقب بها مؤيدا أو منددا أو مبشرا أو منذرا، قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ
قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن
تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ
وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [المائدة : 19].
الواقعية في
الحوار: والمقصود بالواقعية هو أن وحي السماء قد علمنا مواجهة الأحداث والوقائع
حين حدوثها ذلك أن الفكرة النابعة من المواجهة تتصف بالحرارة والحيوية وتتميز
بقدرة فائقة على التأثير في النفوس، ومما يلفت النظر أن الأفكار والموضوعات التي
تبقى في حيز النظريات غير قابلة للتطبيق أو التي لا تتهيأ لها الظروف الملائمة
لتطبيقها تفقد تأثيرها في النفوس وتتحول إلى جملة من الأفكار المترفة، وهذا هو
السر في القرآن الكريم، حيث كانت السور أو الآيات تنزل استجابة لحادث معين أو جوابا
عن سؤال معين أو شرحا لموقف من المواقف، ومن هنا
يتبين أن استباق الأمور والقفز من فوق الأحداث لا يتفقان مع منهج
المعاصرة في المحاورة والمناقشة التي جاء بها القرآن الكريم، وهذا هو الذي يفسر
سقوط الأفكار والفلسفات والدعوات الأرضية التي لا تتصل بالحقائق والوقائع المعاشة
عند الناس في كل عصر، حيث قال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ
كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً) [النساء
: 82].
التزام الصدق:
هذه الصفة بالغة الأهمية في الإعلام الناجح وفي الدعوة إلى الله فإن تحرى
الحقائق والوقائع والالتزام بروايتها، كما وقعت هي الضمانة الأساسية للفوز بثقة
الناس الذين هم غرض المادة الإعلامية أو هدف الدعوة إلى الله، وليس أدل على أهمية الصدق
وتحري الحقيقة في الإعلام من تاريخ الوقائع الإسلامية نفسها، لقد أثبتت مجريات
التاريخ الإسلامي أن الأكاذيب والأساطير التي وجهت بها الدعوة الإسلامية قد سقطت
كلها أمام الاستقامة والطهارة في مناقب أصحاب الدعوة إلى الله.
المواجهة
الصريحة وتسمية الأشياء بأسمائها: فكل تسمية تتم على حساب العقيدة والشريعة في
سبيل الحصول على مكاسب وقتية هي في الحقيقة جناية على العقيدة والشريعة، ولنا فيما
ذكر عن رسول الله (ص) من المواقف ما يؤكد هذا الرأي،
ولاسيما يوم أن رفض التسوية التي عرضت عليه من قبل قريش بواسطة عمه أبي طالب (ع) فقال
قولته الخالدة: (والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا
الأمر ما تركته أو أهلك دونه).
فعالية السلوك:
لوحظ أن القرآن الكريم قد ركز تركيزا شديدا على الجانب الخلقي عند
الرسول (ص) واعتبر أن نجاح الدعوة إلى الله موصول في جانب كبير من
سلوكه عليه الصلاة والسلام، فقد ورد فيه قوله عز وجل: (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ
الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) [آل عمران:159]، ويقول في مكان آخر: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ
عَظِيمٍ) [القلم:4]، وفي مكان ثالث يصف القرآن أخلاق عباد
الرحمن فيقول عز من قائل: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ
هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً * وَالَّذِينَ
يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً) [الفرقان:63، 64] إلى آخر سورة الفرقان.
الاهتمام بكل
صغيرة وكبيرة حتى لا تترك أي ثغرة في بناء الدعوة إلى الله، قال تعالى: (وَوُضِعَ
الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا
وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا
أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)
[الكهف : 49].
الأخذ بأسلوب
الاستيعاب الإعلامي: أن القرآن الكريم قد أخذ بطريقتين أساسيتين في الأداء لما
لهما من أثر بالغ في تحقيق هذا الاستيعاب:
الأولى: طريقة
التنويع في التعبير بحيث يتم التناغم بين المبنى والمعنى، فإذا كان المعنى
شديدا قاسيا كان المبنى شديدا قاسيا أيضا والعكس بالعكس.
الثانية: طريقة
التكرار في الأداء، والمقصود بالتكرار هو القيام بعملية الإيحاء المستمر وهي
العملية التي يتكرر بها المعنى نفسه بعبارات مختلفة تجنبا للإملال وقصدا إلى تعميق
التوعية بالمعنى المقصود منه.
تناول الحقائق
العلمية المسلمة التي تتفق مع الفطرة، ولا تتعارض من العلم والمنطق.
الدعوة إلى اعتماد أفضل أساليب القول والأداء في
ممارسة الإعلام ودعوة الآخرين: والتي تتمثل في الآتي:-
أ.
القول الحسن: (..وَقُولُواْ
لِلنَّاسِ حُسْناً..) [البقرة : 83].
ب.
اللين في القول
والخطاب: (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ
أَوْ يَخْشَى) [طـه:44]، (وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا
مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران:159).
ج.
البصيرة في
الأداء والتوصيل: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ
أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (يوسف:108).
د.
الحكمة في
العرض، واختيار الموعظة الحسنة في الموضوع، والجدال الشريف العفيف المتمثل
بغاية الوصف بالحسن: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل:125).
رؤية ختامية
من كل ما تقدم، يمكننا القول
إن واقع الإعلام الإسلامي في مجتمعاتنا الإسلامية تحف به الكثير من المخاطر
والمزالق بالنظر إلى الولوغ في ثقافة الجسد وشيوع الفساد الأخلاقي والنزوح نحو
تقليد الغرب فكريا، وهو ما يشكل نذر شؤم أمام الدعوة إلى الدين الإسلامي، لذا فمن
واجب المؤسسات الإعلامية إعادة النظر في نهجها والسعي بالعمل المنظم من اجل إزالة
كل مظاهر التخلف والفساد ورصد ما يبث في وسائل الإعلام والوقوف على الخارج منها عن
تعاليم الإسلام وتنظيم المنتديات، والملتقيات، والمؤتمرات، للعقلاء من المثقفين
والمهتمين، ومحاولة ردم الهوة بين المفكرين والباحثين المهتمين بالفكر الإسلامي والإعلام،
فالحاجة إلى التنظير والتأسيس للإعلام الإسلامي باتت ملحة، بالإضافة إلى إتاحة
الفرص أمام المحللين والدارسين والمهتمين للتعبير عما يجول في خواطرهم
والولوغ في بحوث ودراسات تفتح الآفاق وتكشف العلاقات الكامنة والداخلة في تشكيل وتركيب
الخطاب الإعلامي، وهو ما دفعنا لنخطو في هذا الاتجاه.

التعليقات على الموضوع