ضرورات تجديد الخطاب
لسنا بحاجة إلى التأكيد على إن الزمن الراهن هو بامتياز" زمن الصورة "، فلقد أثبتت -الصورة- قدرتها الفائقة على امتصاص جميع الخطابات البصرية والفنية من مختلف الحقول الثقافية، وجعلها عنصرا فاعلا في البناء الدرامي وأصبحت اليوم بوتقة تنصهر وتمتزج فيها كل أشكال التعبير الإنساني وذلك بواسطة تقنيات فنية تشكل اغلبها في اطر ثقافية مقاربة كالرواية، والمسرح، والسينما والرسم والموسيقى وغيرها، ومن اجل جعلها -أي هذه الخطابات- عنصرا حاملا لجزء من الدلالة العامة للعمل الفني من جهة، ولتكثف من جهة أخرى المظاهر المعرفية فيه.
لكن مما يؤسف له حقا، إن الخطاب البصري عموما، في فضاءاتنا الثقافية الإسلامية، لم يحظ بالاهتمام ذاته الذي حظيت به الدراسات الأدبية والفكرية الأخرى، شفوية كانت أم مكتوبة، ولم يخص بأي اعتراف أكاديمي -إلا ما ندر- بل تم إقصاؤه وتهميشه عن الساحة الثقافية بشكل عام. علما إن ما تم انجازه من دراسات أو بحوث أكاديمية لم يرق بعد إلى مستوى الخطاب البصري ذاته في تعدديته وتشابك علاقاته وتماسك بناه وقدرته الفائقة -كما قلنا مسبقا- على التعالق بغيره من المجالات التعبيرية الأخرى بل إنها كثيرا ما حولته إلى خطاب أدبي، موضوعاتي يركز على المحتويات والإشكال والمظاهر، هذا بغض النظر عما يعانيه خطابنا البصري بشكل خاص من نواقص فنية وتقنية تنحيه عن دائرة الاهتمام وتجعله خطابا دعائيا تقليديا محضا يعبر خير تعبير عن استبداد الأنظمة العربية وتخلفها الثقافي، هذا الأمر ناجم عن غياب صناعة -حرفة- صورية حقيقية من جهة، وانعدام التخطيط الاستراتيجي الواضح والفعال لقطاعات الإنتاج في البلدان العربية والإسلامية، والذي يفترض أولا الانحلال من قيود الأنظمة-الشمولية- التي تحكم الوطن العربي، إذ تبدو وسائل الإعلام انعكاسا لفلسفة سياسة هذا النظام أو ذاك من جهة ثانية، أو قل عدم وجود الوعي بالصورة متمثلا بغياب الدور الإعلامي رغم التطور المذهل في وسائل الأعلام -صحافة وتلفزيون- من جهة ثالثة.
وباستثناء عدد محدود من مجلات الدراسات الفكرية والصحف المتزنة والفضائيات ذات الرسالة الواضحة، فان أغلب المشاريع الإعلامية الإسلامية من صحف ومجلات وانترنت إلى إذاعات وقنوات فضائية لم تقدم مادة جديدة ومقنعة، وإنما عملت على إعادة إنتاج خطابها القديم بحلة جديدة وبتقنيات حديثة. فأصبحت الأناشيد الإسلامية المتزنة المعدة بالطرق الحديثة بديلا عن الأغاني الهابطة، والإثارة الخبرية أو التعرض لبعض المواضيع الحساسة مقدمة على الأداء الإعلامي الرصين الذي يعتمد على صدق المعلومة والتشويق في طرح المواضيع الجادة والمحورية. حتى ان المواضيع الهامة والجريئة كمسألة الوحدة الإسلامية أو النهضة الدينية وقضاياها، يتم طرحها بصورة مثيرة بهدف تحقيق مكاسب إعلامية أو سياسية، بعد أن كانت تُطرح كمبادئ ومثل عليا تعمل الجماعات الدينية على تحويلها إلى ثقافة عامة تحظى بالقبول الاجتماعي.
وللاعتبارات السابقة يجب على مؤسسات الإعلام في العراق متمثلة بالقنوات التلفزيونية الفضائية المرتبطة أصلا بالدولة أو بالقطاع الخاص أو الصحف والمجلات والإذاعات وغيرها، ممارسة دورها الريادي في الوقوف على الأخطاء الماضية، والسعي بالعمل المنظم من اجل إزالة كل مظاهر التخلف والفساد والنزول إلى الشارع ورصد ما يبث في وسائل الإعلام خصوصا العراقية منها وتنظيم المنتديات، والملتقيات، والمؤتمرات، للعقلاء من المثقفين والمهتمين. فان للصورة فعلها في مجتمعاتنا المتخلفة فهي تخلق وتهيئ المناخات الثقافية وتتيح الفرصة للمحللين والدارسين والمهتمين للتعبير عما يجول في خواطرهم وتفتح الآفاق أمامهم لكشف العلاقات الكامنة والداخلة في تشكيل وتركيب الخطاب الإعلامي، وتفريخ ملاكات نقدية جديدة وهو ما يتيح فرصة اكبر للتواصل مع الحركة الثقافية والإعلامية العربية والعالمية، ومع ما ينتجه مثقفوها لا بل والتعاون مع باقي مؤسسات الدولة لرصد المظاهر الفاسدة ومكافحتها كذلك التعاون مع المؤسسات الإعلامية المحلية على كثرتها لعرض البرامج التثقيفية والتوعوية والمتميز منها لتربية الذوق العام والارتقاء به وهو ما يمكن أن نقف عنده لاحقا.

التعليقات على الموضوع