الفيلم التونسي (حلو ومر).. قيود النص.. وحرية التأويل




في ظل ضعف وترهل وانحياز الفيلم العربي، تكون محاولة الكتابة او قراءة مضامين الافلام المنتجة حديثا صعبة للغاية، نتيجة سيادة نوع دون اخر، وهو ما يفرضه منطق السوق والربح التجاري المرافق الدائم للعمل السينمائي، فضلا عن ان بعض الافلام التي تحتاج للكتابة او استلهام ما بها من فرادة وابداع فني خاص تكون عروضها خاصة ومحدودة، وقد تقتصر على المهرجانات فقط، وهذا ما صبح شائعا هذه الايام.

وفوق كل هذا، فانه لو اتيح عرض فيلم على الجمهور، وحظي اصحاب القراءات النقدية بفرصة مشاهدته، فلن يكون بمقدورهم تقديم قراءة نقدية متكاملة بالنظر لمحدودية العرض اولا، وصعوبة تفسير الشفرات البصرية التي تخاطب عين المشاهد، كما تخاطب وعيه ثانيا، ليس لعسر الفيلم عن الفهم، بل لصعوبة تقديم صورة واضحة عن مكامن خصوصيته، لا سيما انه فيلم (نخبوي) يعد للعرض ضمن المهرجانات السينمائية.

حلو ومر- النص
حصل فيلم (حلو ومر: 2000) -وهو الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرج التونسي (ناصر القطاري)، بعد فيلمه الاول (السفراء: 1976)- على الجائزة البرونزية في مهرجان قرطاج السينمائي عام 2000، وحظي باهتمام جيد في المحافل السينمائية كافة سواء العربية منها او العالمية، كما استحوذ على اهتمام نقدي واسع.

يطرح الفيلم مشكلة (صلاح) المخرج المسرحي، ذي التوازن النفسي الهش، والقادم من الولايات المتحدة بعد دراسته لفن الاخراج المسرحي، ونتيجة نجاحاته المسرحية السابقة، تقرر زوجته (امال) الغنية، تمويل مشروعه الجديد، وهو اخراجه للمسرحية الشهيرة (السد) لمؤلفها (محمود المسعدي)، حيث يبدا (صلاح) بمواجهة العديد من العوائق والمآزق التي تحاول تغيير مسيرته، ومنها عدم وجود بطلة للمسرحية وكذلك سعي مدير المسرح بدافع الغيرة لإفشال كل خططه الاخراجية، لذا ونتيجة لتلك المعاناة النفسية يمر بحالة كآبة وقلق تفسدان عليه عملية استكمال المشروع.. وفي احدى الليالي يصدم بسيارته فتاة جميلة تدعى (عائشة) فيتعرف عليها، وبعد اشرافه على علاجها، تتكون بينهم علاقة صداقة قوية، تضطره لاختيارها كبطلة للمسرحية، التي تنتهي بنهايته.

وضمن هذه الاحداث يعيد الفيلم الثالوث الشهير (الزوج، الزوجة، والعشيق/ العشيقة) الى مسرح الاحداث في صراع شخصي جديد ومثير، يستكشف فيه المخرج عوالم الشك والحذر والرغبات المجنونة والحب والتواطؤ والخذلان.

حلو ومر- تأويل الصور والاشارات
تستدعي محاولة فك رموز وعلامات فيلم (حلو ومر) الى طرق باب الفيلم اكثر من مرة، ليكتب لهذه المحاولة على كافة الصعد، وهذا بالتالي غير متحقق، وهو ما يجعل احكامنا غامضة، قاتمة، قد لا تعبر عن الوجه الحقيقي لمراد المخرج.

بداية يعيش بطل الفيلم- المخرج المسرحي- عالمين متناقضين، العالم الواقعي بتفاصيله اليومية المشحونة بالمرارة والضعف والبؤس- رغم توفر المال والزوجة المُحبة، وعالم الحلم والسعي لتحقيق رغائبه وخيالاته اللا محدودة. اذ يستحضر (القطاري) مسرحية (السد) ليعبر بها عن النجاة والوصول الى تحقيق الرغبة واستكمال معالم النجاح، هذا ما ترسم له المسرحية حيث تفك اغلال علاقة زوجية بائسة وبليدة، قائمة على المصالح المادية من جهة الزوج، والمصالح الغرائزية من جهة الزوجة. ثم الانفتاح على علاقة جديدة، جميلة، رومانسية، حالمة، تغير معالم الفيلم وبطله في ان، خالية من المصالح، تؤشر ابداع المخرج الفذ في خلق اجواء غاية في الجمال والجدية والسحر، وهو ما لم تقدمه الافلام العربية مسبقا، متجسدة في فصول الجمال اللوني الاخاذ متواطئا مع الجسد، في خلق لغة صورية يعجز القلم عن وصفها، ويبقى المخرج في النهاية بطلها الحقيقي دون منازع.

حلو ومر- اللون
تحمل الاشارات اللونية في الفيلم مضامين سيكولوجية، نجح المخرج بها وبكل ابداع في الكشف عن كوامن النفوس، وهو استخدام واعي ومدروس. ومن هذه الناحية، فان الفيلم يتكون من نصفين:- الاول- الواقعي:- يعالج الحياة الاعتيادية بكل كابتها وبؤسها بالنسبة الى البطل، ويفضل فيه (القطاري) الالوان الباردة (الازرق- الرمادي- الاخضر) وهي صفة الفيلم اللونية العامة التي تطغى على الجزء الاول. وفي النصف الثاني- الشاعري:- والذي يركز فيه المخرج على الاجواء والاشكال، ويعكس فيه عبر مجموع اللقطات ذات الالوان الحارة (الاحمر- الاصفر- البرتقالي) الايماء الى الرغبة والتحفز.

وفي هذا المجال، فان قضية التركيز على اللون لم تنل قدرها الوافي في الافلام العربية، حيث اهمل وعد عنصرا لا واعيا، وهذا ما اضفى على الفيلم طابعا شكلانيا، ركز على التكوينات والتكتلات اللونية المميزة الفائقة.

حلو ومر- لغة الجسد
يشكل الرقص حالة تعبيرية ينطق بها الجسد وتحلق فيها الروح عاليا نحو المطلق واللا نهائي، انه الافلات من براثن المادة والانصياع نحو عوالم الحلم والبهجة والحرية الخالصة. ولقد استطاع المخرج (ناصر القطاري) ان يكشف لنا ببراعة تلك اللحظات السحرية التي تثب فيها الروح والجسد معا، نحو صحوات الرغبة واللذة المنزرعة فطريا في كوامن الذات. ومن خلال التكوينات المسرحية المنحدرة من تجسيدات سينمائية لعالم مسرحية (السد)، فان (القطاري) يكون ملء الاحساس والرومانسية في ادارة ممثليه وتوجيههم نحو تشكيل انساق تعبيرية راقصة، تتهاوى بينها الالوان المعبرة عن نجاحات المسرحي في ادراك مسرحيته.

وكم تكاتفت الخلفيات الموسيقية والغنائية للموسيقار (لطفي بو شناق) مع الانارة في خلق عوالم لذيذة تعد اكتشافا متميزا، في استيضاح غياهب النفس وتكويناتها الفكرية وماربها نحو الاخر، وهو تكاتفا يخلق رعبا نفسيا حقيقيا مجهول الهوية.

حلو ومر- المكان
قد تهمل بعض الافلام حيثيات مكان الاحداث، وتبدو غير ابهة بما يدور حولها وغير مستفيدة من مكونات التوازن المرئي الداخلي للقطة، ويبدو ان المخرج اجهد في عملية اختيار الاماكن، لأجل تثبيت خصوصيتها المستمدة من اثرها في توزيع حيثيات الكادر، ويتضح مدى الجهد المضني في اختيار الاماكن، في المشاهد الخارجية من صحراء الى تموجات ترابية تشكل انساقا مكانية – لونية تفصل بينها الشهوة الحمراء وطغيان الجسد الملتوي الراقص بين اشكالا مستوحاة من طبيعة التكوين الغرائبي للأرض- النفس- التي تلتف بأجسادها الحانية على تلك الشعلة الناطقة بالرغبة والاشتهاء، وهو ما استفاد منه المخرج في تطلعاته لخلق فيلما يركز على ما اهملته السينما – العربية- من قبل- اللون- الضوء- المكان- ضمن العلاقة الحميمية الغير متزنة بين ذلك الثالوث الشهير.

حلو ومر- التمثيل
ضمن تلك التوجهات الجد جديدة في خلق مناخ صاف لفيلم يتعامل مع موروثات الفن السابع المهملة والملاقاة جانبا، تنبري اشكال واجساد وتفانين الممثلين الغائرين بعيدا في اصواب تمثيلية نائية عن مراسي الشهرة.

فها هو الوجه الروحاني الخلاق والمشحون سحرا وتعابيرا انثوية تستقي ابداعها من الاندماج الجسدي والنفسي عبر ذاتين منفصلتين، واعني الممثلة (ايناس بايلي). ومن جانب اخر وهو العكس، فان سوء اختيار المخرج للممثل البطل (نور الدين العاتي) يؤتي اكله في مجموعة من التصنعات اللا وجدانية الغير مؤثرة كردود فعل سلبية لتلك الافعال المؤثرة، مع ملاحظة وجود الممثلة المخضرمة (سنية العايتي) والممثل المخضرم الاخر (لمين النهدي).

ويبقى (حلو ومر) فيلما سيعشعش في الذاكرة، لان فيه روحا لا زالت حية تؤمن بالحب وتدعو اليه، بلغة سينمائية بالغة الرهافة والجمال والشاعرية. 

ليست هناك تعليقات