موسم وحيد القرن.. فيلم يبحث في قضايا النفي السياسي
شكلت نهاية الستينات حقبة مهمة في التاريخ الإيراني نتيجة المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي حملتها، فكانت بداية لشرارة إسقاط نظام الشاه الذي انتهج سياسة التغريب للمجتمع الإيراني واعتماده على الولايات المتحدة وإسرائيل كحلفاء له، إضافة إلى الإسراف والفساد والنخبوية في سياساته، وفشله في استقطاب المتعاطفين والأتباع من القيادات الدينية.
الامر الذي دعا القوى الإسلامية انذاك إلى التحرك من اجل إسقاط هذا النظام المتهرئ والممزق من الداخل بثورة فريدة من نوعها باعتبارها مفاجأة على مسرح الأحداث الدولية، حمل سقوط الشاه وانهيار النظام الملكي وبروز النظام الجمهوري معه تأثيرا كبيرا على جميع نواحي الحياة، وشهدت السينما تبدلا في الايدولوجيا في ظل سيطرة الإسلاميين الشيعة على السلطة، لذا فمن الطبيعي أن تكون هناك إفرازات تلقي بظلالها على طبيعة التغيير أما بتعميق الشرخ والانفصال ما بين المكونات أو بزيادة اللحمة والتآلف، فضلا عن تحالف جميع القوى السياسية الليبرالية واليسارية والجماعات الدينية من اجل تحقيق الهدف المنشود، وبرز في السينما الإيرانية تيارا جديدا عُبّر عنه بـ (الموجة الجديدة) حيث بدأت منذ العام 1968 بثلاثة أفلام هي: (البقرة: 1969) إخراج: دريوش ميهرجوي، و(قيصر: 1969) إخراج: مسعود كيميائي و(هدوء في واجهة الآخرين:1969) إخراج: ناصر كفائي، وحاولت هذه الأفلام التأسيس للسينما الإيرانية الجديدة بعيدا عن السمعة السيئة التي رافقتها، مستفيدين من تنظيرات المثقفين برفض التبعية والانطلاق إلى تحرير المجتمع، فقد أسست هذه الأفلام مجتمعة خصوصا الأول منها لمنهج الواقعية الجديدة الذي ظهر في السينما الإيطالية منذ عام 1943، حيث تتناول حياة الفقراء والطبقة العاملة، وتتميز باللقطات الطويلة في مواقع التصوير الحية، وغالباً ما تعتمد على ممثلين غير محترفين في الأدوار المساعدة، وأحياناً في الأدوار الرئيسة. وتركز أفلام هذه المدرسة، بشكل خاص، على التغيرات التي تعتمل في النفسية، وأوضاع الحياة اليومية.
وفي سبيل ذلك دخل السينمائي الإيراني معترك إثبات الذات والوجود وتحديد الموقف البيّن من التغيير مع أو ضد من غير حياد أو التزام جانب الصمت عبر احد الخيارين التاليين:-
الانسجام التام مع الحراك الجماهيري وتبني المطالب وبلورتها.
التغريد خارج السرب أو النفي القسري خارج البلاد.
عن هذه الفترة والصراع الفكري الذي عاشه المثقف الإيراني يبني المخرج والسيناريست الايراني/ الكردي (بهمان غوبادي) وقائع فيلمه موسم وحيد القرن:2012 حيث يتابع السيرة الذاتية للشاعر صادق كامانجار الذي سجن بسبب مواقفه المناهضة للنظام الإسلامي.
قصة الفيلم تبدأ في خريف عام 2010 مع إطلاق سراح الشاعر (ساحل فرزان) الذي أمضى قرابة 30 عاما في السجن بعد أن أدين بتهمة كتابة قصائد سياسية معادية للثورة الإسلامية، وفي محاولته للبحث عن عائلته التي هربت إلى تركيا، يأخذ باستذكار ماضيه وعلاقته بحبيبته وزوجته لاحقا (منة) ابنة عقيد الشرطة في نظام الشاه، فنشاهدهما سوية في عدة مناسبات وتلاحقهما نظرات حقودة من قبل سائق (منة) (اكبر رضاي)، لاحقا نعرف أن السائق معجب بمنة ويعترف لها بحبه لها، فتبلغ والدها بذلك الأمر الذي يدفعه إلى ضربه وطرده، وعلى اثر قيام الثورة الإسلامية يعتقل والد منة بسبب وشاية اكبر الذي تحول إلى احد أركان الثورة بشكل مفاجئ، ويلفق تهمة للشاعر (ساحل) كونه سني المذهب وناقم على النظام الإسلامي في مسعى منه للحصول على قلب منة، فيحكم على ساحل بالسجن لمدة 30 عاما وعلى منة بالسجن لمدة 10 أعوام، وبعدما تلح منة على إدارة السجن في معرفة مصير زوجها ومطالبتها بلقائه يرتب اكبر ذلك ويدخلهما على بعض وعلى رأسيهما كيس اسود، فيقتحم لقاهما بشكل مفاجئ ويطفئ نار غريزته في جسد الزوجة، وينتج عن ذلك الاغتصاب توأم من البنات، وبعد زمن يفرج عن الزوجة ويبقى ساحل في السجن، ما يضطرها للعيش في تركيا.
هذه الأحداث تأتي متشظية داخل النسيج الفيلمي إلا أن لحظة خروج ساحل من السجن تشكل نقطة تلاقي الأحداث بين ما نشاهده حاليا وبين ما يتم استذكاره من ماضي، عموما يذهب ساحل إلى تركيا للبحث عن عائلته المزعومة وهناك يلتقي ببنتين يمتهنان البغاء لتلبية متطلبات الحياة الصعبة، وبعد أن يوصلهما إلى محل عملهما عدة مرات يشعر أن هناك ما يربطه بالفتاتين، فيحاول متابعتهما أكثر من مرة، وفي احد الأيام تتشاجر أحداهما وهي في حالة سكر مع احد زبائنها فيتدخل لفض الاشتباك ويأخذهما إلى منزله، وبعد أن يسكر الجميع يلمح المخرج في لحظة ما إلى أن الفتاتين قد يكونا من صلبه، إلا انه يستمر في الإثارة أكثر بإثارة مسألة انه قد مارس الجنس مع إحداهما.
وبعد أن يفيق ساحل من حالة السكر يأخذنا المخرج في دوامة من المشاهد الخيالية التي تعكس مدى هول الصدمة التي تعرض لها، فتارة يعرضه لنا وهو يصدم وحيد قرن، وتارة أخرى يعرضه وهو يرمي بسيارته في عرض البحر واكبر بجانبه.. وبذلك تبقى النهاية مفتوحة على عدة تأويلات.
الفيلم كتبه وأخرجه (بهمان غوبادي) عن قصة حقيقية كما أسلفنا إلا انه أجرى عليها تغييرات في الأسماء والأماكن، معتمدا آليات السرد الروائي في عرض الأحداث ومستفيدا من أساليب السينما الإيرانية الواقعية الشعرية، فيقدم فيلما تتداخل فيه الإيحاءات والتأويلات والنصوص الشعرية مع الدراما والمأساة بتماسك كبير ومن دون إرهاق للمشاهد، إلا أن الجرعة تزداد في النهاية خصوصا عندما يترك المشاهد من دون معرفة مصير الشخصيات بأجمعها. وينجح إلى حد بعيد في عكس حالة الانسلاخ التي يعانيها الشاعر من خلال ما ينثره من مشاهد غامضة وغريبة داخل النسيج الفيلمي. الأمر الذي يدفع المشاهد الشغوف لاستكناه خفايا القصة والبحث عن أجوبة للأسئلة المحيرة التي أثارها في البدء، وتتعاضد في سبيل ذلك عناصر عديدة اهتم بها المخرج وترك العنان لها كالإضاءة الخافتة والألوان الباردة والحركة البطيئة والموسيقى التصويرية وغيرها.. ولان النص محكم ومتشعب كونه يشتمل على ما يقرب من أحداث 30 عاما، فان المخرج عمد إلى الترميز وهو أسلوب السينما الإيرانية في إثارة بعض الإسقاطات السياسية وتحميلها عناوين مختلفة.
بقي أن نشير إلى أن اعتماد المخرج على طاقم ممثلين متنوع ما بين الإيراني والتركي والايطالي قد أتى أكله من حيث خلق التأثير في المشاهد فضلا عن خبرة هؤلاء النجوم الأدائية عكست مدى فداحة ومأساوية الظروف التي عاشتها، ولا شك أن وجود الممثل الكبير (بهروز وسوقي) بدور ساحل كان له الأثر الأبرز في الفيلم فملامحه الهادئة والباردة كانت متناسبة بشكل كبير مع طبيعة أجواء الفيلم، كما أن اختيار الممثلة الايطالية (مونيكا بيلوتشي) لهذا الدور الجديد عليها كليا بعد أن عرفت بادوار الكوميديا والإثارة أعطى حيوية للفيلم كون بيلوتشي تمتلك ملامح شرقية متميزة، ولا ننسى الدور الكبير الذي لعبه الممثل والمخرج التركي (يلماز اردوغان) والنجمة التركية (بيرين سات) وغيرهم..
موسم وحيد القرن فيلم من طراز رفيع سيظل عالقا في الذاكرة لوقت طويل وسيكون محط اهتمام الدارسين لما يشتمل عليه من براعة في الكثير من مفاصله.

التعليقات على الموضوع